الدلالات الرمزية والإندماجية لفعل الذوات الإجتماعية في الفضاء المديني
د.شهاب
اليحياوي:
تكشف المدينة اليوم ، في تونس مثلما مغاربيّا مشكلات تتجاوز الطرح المادي ـ الإقتصادي مثلما الثقافوي . فسوسيولوجيا المدينة مدعوّة ، لتجاوز أزمة التغيّر الحضري ، إلى التنحّي عن فيتشيّة البعد الواحد التفسيري في التحليل . وهو ما لا يتعارض مع التخصّص الذي تتخفّى وراءه هذه الأطروحات المنهجية ، خاصّة إذا كان محاولة
في إختبار فرضيات ما أو تعميق البحث في أكثر الأبعاد ضعفا في حضورها ضمن التحليل السوسيولوجي للمدينة العربية اليوم وهو البعد الثقافي في العلاقة بين الفضاء وشاغليه .
إنّ الفضاء يكتب بتشفير رمزيّ يقتضي أن نتعامل معه خارج ماديته . فأن تفهم
الفضاء معناه أن تقرأ دلالاته الرمزيّة التي تحيلنا الى ثقافة الجماعة التي تتمظهر في هذا الفضاء المعاش يوميّا من قبل شاغليه . فلا يمكن للوصف أو المقاربات الإحصائيّة أن تصنع فهما لما تعانيه وتمظهره المدينة اليوم من مشكلات وظواهر ولا يمكن للطرح الذي يتناول هذه الظواهر والمشكلات نقديّا بالنظر فحسب الى السياسة التنموية أو إستراتيجية التنمية الحضرية المتّبعة في تنمية المدن التاريخية أو تمدين الأحياء العفويّة الجديدة ، أن تنتهي الى تعقّل شامل لها . فلا يمكن لهذا البعد التفسيري إلاّ أن يمثّل جزءا من العوامل المفسّرة ، لذلك لا يجوز إستبعاد أو الإستخفاف بهذا الطرح لكن في الآن نفسه نرفض تقديمها كطرح أمثل وأقرب الى الواقعية في مقاربة المسألة الحضرية . هناك بعض الأطروحات تسعى دائما الى نسخ المادية الجدلية والمقاربات الماركسية في كلّ الموضوعات التي تتناولها حول المدينة . وهو ما يعيد الى الأذهان الجدل القائم حول ضرورة إخضاع تطبيق النظريات الى السياق الخاص لموضوعات التحليل . فالنظريات الفردية لا تشكّل قوانين كونية بقدر ما هي قراءة في المجتمعات الغربية . فقوانينها يجب التعامل معها دائما كفرضيات حين يتعلّق الأمر بمجتمعات مغايرة . أصبح الحديث عن التحليل متعدّد الأبعاد يفرض نفسه اليوم ، لكن في إعتبار لخصوصية المجتمع بغية البحث عن العنصر المهيمن في ثقافة المجتمع المقارب ، وهو ما نؤمن به في قناعاتنا البراديغمية .
تطرح هذه المسألة اليوم بإلحاح فيما يتّصل بالمدينة العربية الإسلامية . وتستدعي الإحاطة بما تطرحه من ظواهر إهتمام السوسيولوجيا في مجتمعاتنا بالجانب العفوي واللاشكلي في التنمية الحضرية وحاصلها المرتسم على الفضاء المديني . يحيل العفوي الى ظواهر التوسّع العمراني وظهور أنماط جديدة للتحضّر ضمن الأحياء العفوية المسمّاة بالفوضوية . إلاّ أنّه يتّسع في مفهومه ليحيل البحث الى علاقته بالإستعمال الذي يعطي للفضاء الخاص منه والعام مظهرا جماليّا ومعماريّا وماديّا يضفي على المدينة واقعا مختلفا عن المخطّط والموجّه . فالعفوي هو ما يتّصل بالجانب الغير خاضع للتحديد والتوجيه وللرسمي والمبرمج في التنمية والتغيّر ضمن المدينة . يحصل تناول الإستعمال الذي تقيمه الذوات الإجتماعية للفضاء بالنظر الى ثنائيات : الخاص / العام ، الداخل / الخارج ، الظاهر / الضمني ، الفردي / الجماعي ، لدى متعدّد الجماعات التي يتمّ تكوينها بالنظر الى متغيّرات : أقدمية التواجد بالفضاء ، الأصول الفضائية للسكّان ، المستوى المادي للعائلات ونوعية الفضاء المشغول . على أنّ الغاية المبحثية لا يجب أن تقف عند الإنتهاء الى مكوّنات كميّة أو وصف السلوك المديني لكلّ فئة ، بقدر ما يجب أن يتّسع الى إستغلال هذه النتائج ،التي طالما شكّلت غايات نهائية للعديد من البحوث الحضرية ، لإستخلاص كيفيات التمفصل بين الداخل والخارج لدى كلّ جماعة كمادة لتحليل إستراتيجيات إندماجها في فضاءاتها المدينية . فكلّ شكل من التمفصل بين الداخلي والخارجي من الدار يكشف عن صورة للذات وللآخر(1) ضمن الفضاء المشترك مثلما عن إستراتيجية إندماج متبنّاة . يعنى التحليل السوسيومورفولوجي أساسا بقراءة النتائج الإحصائية كمادة لتعقّل فعل الذوات الإجتماعية في فضائها والدلالات الرمزية والإندماجية لهذا الفعل وإنعكاسه على الحاصل المديني : على صعيديّ مورفولوجية الدار { الداخل / الخاص } ومورفولوجية المدينة { المشترك / العام } .
يكشف هذا التمشّي المنهجي عن رفض إعتبار الحاصل المديني ـ الذي هو إفرازة التنافذ بين الموجّه والعفوي في التغيّر وبين الذاتي والموضوعي ـ كتمظهر للبنية الإقتصادية ـ الإجتماعية ولعلاقات الإنتاج المهيمنة في المنظومة الإجتماعية . فلا يمكن الحديث عن طبقية بمعناها المرجعي في المدينة التاريخية بقدر ما نتحدّث عن شرائح إجتماعية . ثمّ إنّ الفاعل ، من ناحية أخرى ، لا يحتمل مقاربته كعون للمنظومة الإجتماعية بل إنّ معاشه الفضائي الذي يشكّل مادّة للتحليل يكشف عن ممارسات مقاومة ورفض وعن عقلانية ما يستبطن الفضاء أبعادها ويمظهر آثارها . فالفرد لا نقاربه كسجين لوضعيته بل فاعلا فيها (2) رغم تحدّد فعله بها . وهو جزء من معادلة التنمية لا رقما فيها ، يمارس سلوكا وتأثيرا في مسارها بكيفيات مختلفة وبدرجات متفاوتة على متعدّد الأصعدة .
يصبح البعد الثقافي والرمزي للتنمية الحضرية ضرورة تقتضي من سوسيولوجيا التحضّر إستدعاء الممارسات الفضائية للذوات الإجتماعية . فعبر الإستعمال أي كيفيات شغل الفضاء الخاص التي تحيل الى أنماط حياة تتمظهر تصوّرات وتمثّلات الفاعلين الإجتماعيين في البعد المعماري والفنّي والجمالي للدار التي تتموقع كواسطة أو قناة تواصل بين الذوات وذاكرتها الجماعية ولكن أيضا مع الفضاء الإجتماعي المعاش . فعبر الدار وعلى مستوى الظاهر منها تقرأ تأويلا إستراتيجية إندماج شاغلها وتصوّره لذاته ولفضائه المديني وموقفه منه (3). فلا يمكن للشكل المعماري للدار التي تلغي العلاقات وجه / لوجه بين الخارج / العام والداخل / الخاص ، إلاّ أن تكون تدليل رمزيّ على موقف شاغله ، المفتعل هذه الهيئة لواجهة الدار وسورها ، من محيطه الفضائي المشترك وما يقترحه من محافظة أو تجديد . يقرأ هذا الموقف من فعل الذات في الإمتداد العمودي لواجهة الدار أو شرفة المنزل بشكل يصنع القطيعة بين الداخل والخارج أو على العكس يلغي هذه الثنائية . إنّ إتّجاه التغيّر يمثّل مصدرا لسلوك المقاومة التي تبديها الذوات وتتعيّن ماديّا في الفضاء الخاص (4) أو إنخراط في تيّاره ، لأنّ الفاعل يقرأ أيّ تجديد من منظوره الذاتي ـ المخزون الثقافي والرمزي الذي يوصله بالجماعة المرجع ـ وبالنظر الى موقعه ومكانته وأهدافه ويصيغ تباعا إستراتيجية إندماج توافق تأويله وتعقّله لهذا التجديد . فالمدينة " ليست لا مكان مشترك ولا مكان نهائيّ " (5) بل تتوسّط تجارب الفاعلين أي ممارستهم اليومية لفضائهم والصورة الشخصية للمدينة ـ بعبارة كابال ـ والصورة المتحفيّة بتعبير بيار جودي (6). وتحتمل هذه الصورة الرمزية للفضاء المديني بإعتبار إقترانها بالممارسة الفضائية للفاعلين عناصر فعليّة متأتية من العلاقة المباشرة واليومية بالفضاء وعناصر خياليّة تتّصل في الغالب بالمعلومة حول المدينة لا بالإستعمال . وهو ما يؤكّد الطبيعة المعقّدة لجدلة الصلة بين الذات الإجتماعية وفضائها الخاص مثلما العام .
----------------------------------------------------------------
1- Horacio ( C ) : L’èspace gèographique ; Art : L’image de la ville et le comportement spèciale des citadins ; N° 1975 ; Janvier- Mars ; 76 .
2 Hogue ( J. P ) ; Levesque ( L ) ; Morin ( E.M ) : groupe ; Pouvoir et communication ; ed PUQ ; 1998 ; p 62 .
3 Bouchrara Zanned ( T ) : La ville Mèmoire ; èd mèridiens klinck seick ; paris 1995 ; p 11 .
4 Bouchrara Zanned ( T ) : Symboliques corporelles et espaces Musulmanes ; ceres prod ;1984 ; p 109 .
5 Cayrol ( J ) : De L’èspace Humain ; èd Seuil ; 1968 ; p 11 .
6 Jeudy (H.P) : Les Mèmoires du social : paris puf ; 1986 ; p 11 .
إنّ تاريخ وتقاليد الجماعة التي هي " تاريخ وتقاليد المدينة " (1) تتعيّن في الجمالي مثلما تؤثّر على السلوك المديني وتفسّر أشكال التواصل مع الفضاء الخاص الذي هو الدار كحقل رمزي . يستدعي هذا التواصل ، في اللحظة ، تاريخ الذات مثلما تاريخ المكان (2) ويتمظهر ماديّا وجماليّا وبالتالي رمزيّا في ما أسميناه بالواجهة أو الوجه أي المعطى للآخر ، أو هو مشهد يصيغه شاغل الدار بالنظر الى مخزونه أي روح الجماعة أو روح ثقافة الجماعة (3) . هناك تداخل بين التواصل مع ماض تختزنه الذاكرة ويتجسّد في الفضاء والتواصل مع الآخرين عبر هذا الجزء من الدار أي الواجهة . يتغاير هذا التداخل ويتّخذ أشكالا متعدّدة بين أجيال شاغلي الفضاء وبين فئاتها الإجتماعية وحتّى بالنظر إلى نمط الفضاء الذي تشغله من الحيّ . ففي دراستنا للمدينة التاريخية أو العتيقة [ منطقة الحفصيّة نموذجا ] (4) وقفنا على نزوع الفئة الأكثر حظّا ماديّا من " بلديّة " الأحياء القديمة للحفصية على غرارالجيل الثاني إلى إعادة إنتاج التقليديّ والتاريخيّ الذي يشكّل هويّة المكان في إنفتاح على الأشكال الفنيّة والجمالية لزخرفة الوجه الخارجي للدار . فهو يتمثّل الدار كمأوى بدرجة أولى أي خارج شحنته الرمزيّة ثم بدرجة ثانيّة كعالم خاص أكثر منها ذاكرة حيّة.
نقف ، إذا قرنّا هذه النتيجة بنزعتها الى تحديث الواجهة في إتّجاه يحتفظ بصلة ما بالتقليديّ التي تتجسّد مثلا عبر تحديث الباب التقليدي مع الإبقاء على الطابع الحاجزيّ بصريّا أو العازل لسور الدار أو واجهتها ، على ملاحظة هامّة تتّصل بما أسميناه بالإ نفتاح الحذر أو الإ نغلاق المرن . توظّف هذه الفئة واجهة الدار في إتّجاه يمظهر إستراتيجية إندماجها في فضائها العام . فهي لا تريد أن تقدّم صورة عن كونها إمتداد للسلف أو شاهدة على ماضي المكان لكنّها في المقابل لا تريد أن تنفصل أو هي لا تنفصل عنه . إنّنا أمام فعل قصديّ للسلوك الفضائي لهذه الفئة يتّجه إلى رسم شخصيتها المدينية كما تتصوّرها وتريد الإيحاء بها فضائيّا وبالتالي إجتماعيّا للآخرين الذين تتفاعل وتتواصل معهم . هذا الفعل العقلاني هو فعل إستراتيجيّ يتجسّد رمزيّا بما أنّه يتّخذ من واجهة الدار أي الفضاء الماديّ لغة تعبّر بها عن تصوّرها لذاتها وللفضاء العام المحيط . فميشال بانسون يوجد هذه الصلة بين المسكن وأنماط الحياة ويعتبرأنّ الفرد يدلّ عبر الممارسة رمزيّا عن إنتمائه للجماعة وفي ذات الوقت " يوجد عينيّا هذه الجماعة " (5). لكن نقول هنا أنّ الفرد يدلّ عبر الممارسة رمزيّا عن إنتمائه للجماعة كما يتصوّره أو كما ريده . هذا التعبير ينقلنا من العلاقة التحديديّة التي تجعل من الفضاء إنعكاسا
_--------------------------------------------------------------
1- la basse ( J ) : L’organisation de l’éspace : éléments de géographie volontaire ;paris1971 ; p 284
2- Bochrara zanned ( T ) : La ville mémoire ; éd méridiens klinck siéck ; paris 1994 ; p 74
3 ـ حجازي ( عزّت ) وزكي بدري ( أحمد ) : معجم مصطلحات علم الإجتماع ؛ المركز القومي للبحوث الإجتماعية والجنائية ؛ القاهرة 1974 ؛ ص : 60 .
4ـ اليحياوي ( شهاب ) : دور الفاعلين الإجتماعيين في توزيع الفضاء المديني والتغيّر الإجتماعي : الحفصية نموذجا ؛ أطروحة دكتوراة علم الإجتماع ؛ 2001 م ؛ كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية بتونس .
5- Pinçon ( M ) : L’habitat et modes de vies ; revue française de sociologie ; oct – dec 1981 ; XXII ; n° 4 ; p 530 .
لهذا الإنتماء إلى علاقة جدليّة يتداخل ضمنها الإيتوس الموجّه للفعل الإجتماعي للأفراد وجانب الحريّة والعقلانيّة الفرديّة التي تجعل من الفضاء لا مجرّد قناة تواصل مع الأنا الجمعيّ أو مع الآخرين بل ترجمة لهذه الإستراتيجية الإندماجيّة ضمن الفضاء المدينيّ . تكشف إستراتيجيّة الإندماج لدى الفئة المذكورة عن تداخل بين التقليديّ والمعاصر ، الأصالة والتجديد ، المحافظة والتحرّر . وهي تصوّر يتجسّد في واجهة الدار للصورة الإجتماعية التي توحيها أوترمز لها الدار في معماريتها ونمطها المدخل عليه هذه المراجعة من ناحية وصورته لذاته وصلته بالماضي والحاضرأو ما يمكن تسميته بالعنونة الإجتماعية للفضاء الخاص في ظاهره المعطى للآخر . فالإنسان لا يتصرّف كما [ ألونز ] " كإقتصادي سليم التفكير من غير إحتياجات وعواطف ورغبات " (1) ، بل يستجيب فعله لمطالب ثقافية " تفرضها قيم ومعايير ومفاهيم " (2) شاغلي الفضاء الحضري.
أمّا أقدم " بلدية " المنطقة فيظهرون نزعة أضعف نحو مظهرة التباين على مستوى الواجهة فهم يستعيضون عن ذلك بالشرعية التاريخية لإنتمائهم للمكان أو هم جزء من تاريخ هذا المكان.
فهم لا يحتاجون لأن يقولون رمزيّا عبر الفضاء مكانتهم الإجتماعيّة أو رتبتهم لأنّها ببساطة مرسومة في أذهان شركاء الفضاء . أمّا الأقلّ أقدميّة في الفضاء المشترك والذين شغلوا دورا " معلميّة " أي دورا لبورجوازيّة المكان بالأمس والذين غابوا عن المكان ماديّا لكنّهم حاضرين في تاريخ المدينة المعلوم منه والمتداول ، الموثّق أو المرويّ ، فبعمدون الى بلورة هذا الفضاء ليصبح خاصّا أو له مدلولا خاصّا . هم لم يغيّروا المعمار ولا تاريخه بل أضافوا ما يحيل إليهم وإلى ذوقهم وتصوّرهم وإلى صورتهم لدى الآخر التي يريدون رسمها فضائيّا أي دلاليّا . حينما يضعف البعد الإجتماعي للإندماج الفضائي يقوى البعد الفضائي كجسر تواصلي ضمن فضاء المعاش اليومي . فالتستّر الفضائي هو فعل ثقافي كما أسلفنا ولكنّه فعل إجتماعي يكشف عن المستوى الإندماجي ضمن الفضاء الإجتماعي . هو فعل قصديّ لكونه يفتعل المنتج لأنّه يغيّر القائم أو الحاصل في هيئة أو مظهر أو معمار الدار أو بعده الجمالي . فأن يمدّد الفاعل عموديّا السور الأمامي للدار التي تسلّمها بإمتداد متوسّط للسور هو رفض لنوعية العلاقة بين الداخل والخارج التي يفضي إليها الشكل المعماري المعطى وفق رؤية الباعث العقاري .
------------------------------------
1 ـ مهدي الشويخات ( حبيب ) : ندوة المدن الجديدة : منظمة المدن العربية ؛ المعهد العربي لإتحاد المدن ؛ 1993 ؛ المجلد الأول ؛ ص 165 .
2 ـ نفس المرجع ؛ ص 165 .
فأن يتّجه شاغل الفضاء الى بلورة المكان هو إعادة ترتيب للفضاء بما يتوافق ويتماهى مع قيمه ومعاييره وتصوراته وتمثّلاته مثلما كونه سلوك إجتماعي يحيل الى أسلوب أندماج ضمن العام الذي هو الفضاء المديني ، يتداخل ضمنه الواعي واللاواعي . لا يفضي الخارجيّ من فضاء الدار دائما وآليّا الى الداخل ، لكن جدلية الداخل والخارج تخضع الى إواليّة تحيل إلى إرتباط بين ضورة الظاهر من الفضاء الخاص وصورة شاغله لذاته ولفضائه اليوميّ . يشتغل الخارجيّ من الخاص كقناة تواصل بين شاغله وفضائه العام وبالتالي يتحدّد بهذا التواصل وطبيعته . فالفضاء المبنيّ هو " صلة عينيّة بين وجودي والعالم الذي يحيط بي " (1) وفضاء للعب ولمظهرة لا رتبته الإجتماعية فحسب بل أيضا إفتعال هذه الرتبة أي أنّه يتّخذ بعدا تضليليّا لا يتّصل بالموقع الإجتماعيّ لشاغله بل أيضا بنمط حياته ضمن داخل هذا الفضاء الذي يتّخذ لدى البعض وجهين : خارج معطى للآخر لا يمظهر ولا يعكس دائما أو بالضبط داخلا يظلّ ذاتيّا وخاصا يتّصل بالثقافة الجماعية وتصوّراتها للفضاء لا يندرج أو لا يؤطّر هذا السلوك في ممارسات المقاومة التي تبديها الذوات الإجتماعية عبر الفضاء وإستعمالاته بل هو سلوك أو فعل إجتماعي يحيل إلى تصوّر خصوصي للإندماج الفردي والجماعي ضمن الفضاء الجديد أو ضمن التحوّلات التي إستوعبها الفضاء الذي تشغله الذوات منذ زمن معيّن . فالفضاء هو مسرح تزدوج وتتعدّد أدوار لاعبيه أو إن شئنا أن نقول تزدوج أبعاد أدوار الفاعلين ضمنه . فأن نتغاير مع المغاير أو نتماثل مع المشابه أو نشابه المغاير ونتغاير مع المشابه عبر السلوك الجمالي الممارس على واجهة الدار والمدلول الرمزي للتغيير المادي للواجهة ، هو أسلوب تواصل مع المشابه أو المغاير أو التكيّف مع الدائم أو الجديد في تواصل رمزي مع الفضاء المديني إنطلاقا من الداخل وإليه .
إنّ الرمزيّة حقل يضعنا أمام عمق الظاهرة أو الظواهر الإجتماعية . فالمشغول والموظّف والمستخدم أو المتروك من الأشياء هي رموز تحيلنا لا فحسب إلى مكانة الجماعة ضمن التنظيم الإجتماعي بل إلى الذاكرة الجماعية التي توصل الحاضر بالماضي بأشكال متعدّدة ورمزيّة تنفذ بنا إلى مفهوم التقنّع وبالتالي مسرحة اليومي لدى مافيزولي . وتجعل الرمزية هذا الحاضرالموصل بالماضي حيّا متواجدا ضمن المعاش اليومي . وهي تحوّل ، بهذا المعنى ، المنزل إلى متحف إجتماعي لا يحكي { الآن } و { هنا } فحسب بل الذي كان ولم ينجح { الآن } في إقصائه أو صنع القطيعة التامّة والنهائيّة معه . فالألوان والروائح المنبعثة من المنازل تحيلنا إلى الداخل { المخفيّ } ، إلى العائلة ، وإلى عاداتها وسلوكاتها الغذائيّة التي تكشف مستواها الإقتصادي مثلما مرجعيتها السوسيو ـ الثقافية . فالسلوك الغذائي مثلما الفضائي لا يستجيب دائما للتحديدات الإقتصادية وبالتالي التفسير الماديّ بقدر ما هو ثقافي يتغاير من جماعة إلى أخرى (2) وينعكس على المعمار وتوزيع الخاص وبالأخصّ التواصل معه . هذا الخاص والمشترك من الفضاء المديني الذي يكشف في المدينة العربية الإسلامية عن تداخل التقليدي والحديث (3) وتداخل الأزمنة في الفضاء(4) ، يقرأ من معماره(5) مثلما في حركة الجسد وإنتشاره داخل وعبر الفضاءات المدينية بمتعدّد ثنائياتها : المقدّس / المدنّس ، الخاص / العام ، اليومي / المناسباتي .
---------------------------------------------------------
1 – Bouchrara zanned ( T ) : symboliques corporelles et espaces musulmans ; cérés production ; 1984 ; p 11 .
2 – Horacio ( C ) : op ; cit ; pp 73 – 80 .
3 – Bouchrara Zanned ( T ) : La ville mémoire ; paris méridiens klinck sieck ; 1994 ; pp 119 – 125 .
4 – Bouhdiba ( A.W ) , Chevallier ( D ) : L’éspace sociale de la ville arabe ; éd maisonneuve et larose ; paris 1979 ; p 23 .
5 – Riboulet ( P ) : Périodique : espaces et sociétés ; Mars 1971 ; n°2 ; p 193 .